الشيخ محمد النهاوندي

18

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وأوصانا بأن قال لنا : من أدرك منكم أحمد فليقرى عليه منّي السّلام فرّد رسول اللّه عليه سلامة ، وقالوا : فمن معك ؟ قال : « أو ترون » ، قالوا : نعم ، قال : « هو جبرئيل » . قال : « فرأيت قبورهم على أبواب دورهم فقلت : فلم ذلك ؟ » قالوا : أجدر أن نذكر الموت صباحا ومساء ، فقال : « أرى بنيانكم مستويا ؟ » قالوا : ذلك لئلّا يشرف بعضنا على بعض ، ولئلّا يسدّ أحد على أحد الرّيح والهواء . قال : « فما لي لا أرى لكم قاضيا ولا سلطانا ؟ » قالوا : إذا أنصف بعضنا بعضا ، وأعطينا الحقّ فلم نحتج إلى قاض ينصف بيننا . قال : « فما لي أرى أسواقكم خالية ؟ » قالوا : نزرع جميعا ونحصد جميعا ، فيأخذ كلّ أحد منّا ما يكفيه ويدع الباقي لأخيه ، فلا نحتاج إلى مراجعة الأسواق . قال : « فما لي أرى هؤلاء القوم يضحكون ؟ » قالوا : مات لهم ميّت فيضحكون سرورا بما قبضه اللّه على التّوحيد . قال : « فما لهؤلاء القوم يبكون ؟ » قالوا : ولد لهم مولود ، [ فهم ] لا يدرون على أيّ دين يقبض فيغتمّون على ذلك . قال : « فإذا ولد لكم ذكر ، فماذا تصنعون ؟ » قالوا : نصوم للّه شكرا شهرا . « قال : فالأنثى ؟ » قالوا : نصوم للّه شكرا شهرين . قال : « ولم ؟ » قالوا : لأنّ موسى عليه السّلام أخبرنا أنّ الصبر على الأنثى أعظم أجرا من الصّبر على الذّكر . قال : « أفتزنون ؟ » قالوا : وهل يفعل ذلك أحد ، لو فعل ذلك أحد حصبته السّماء ، وخسفت به الأرض من تحته . قال : « أفترابون ؟ » قالوا : إنّما يرابي من لا يؤمن برزق اللّه . قال : « أفتمرضون ؟ » قالوا : لا نمرض ولا نذنب ، إنّما تذنب امّتك فيمرضون ليكون كفّارة لذنوبهم . قال : « هل في أرضكم سباع وهوام ؟ » قالوا : نعم ، تمر بنا ونمر بها ، ولا تؤذينا ولا نؤذيها . فعرض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله شريعته والصلوات الخمس عليهم ، وعلّمهم الفاتحة وسورا من القرآن . وعن الحدّادي : أقرأهم عشر سور من القرآن نزلت بمكة ، ولم يكن يومئذ نزلت فريضة غير الصلاة والزّكاة ، فأمرهم بالصلاة والزّكاة ، وأن يتركوا تحريم السّبت ويجمعوا ، وأمرهم أن يقيموا مكانهم . فهم اليوم هناك حنفاء مسلمون مستقبلون قبلتنا « 1 » . أقول : هذا يؤيّد القول بأنّ قبلة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله كانت قبل الهجرة هي الكعبة . وعن الباقر عليه السّلام : « أنّ هذه الآية في قوم من وراء الصّين ، بينهم وبين الصّين واد جار من الرّمل ، لم يغيروا ولم يبدّلوا ، ليس لأحد منهم مال دون صاحبه ، يمطرون باللّيل ويضحون بالنهار ويزرعون ، لا يصل إليهم أحد منّا ولا منهم إلينا أحد ، وهم على الحقّ » « 2 » . قال في ( المجمع ) : وقيل : إنّ جبرئيل انطلق بالنبيّ صلّى اللّه عليه وآله ليلة المعراج إليهم ، فقرأ عليهم من القرآن عشر سور نزلت بمكة فآمنوا به وصدّقوه ، وأمرهم أن يقيموا مكانهم ويتركوا السّبت ، وأمرهم

--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 3 : 260 . ( 2 ) . مجمع البيان 4 : 752 ، تفسير الصافي 2 : 244 .